حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
139
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
كن مثل ماش في طري * ق الشوق يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرة * إن الجبال من الحصى وفي قوله « هدى للمتقين » ثم في موضع آخر شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ [ البقرة : 185 ] دليل على أن الناس محصورون في المتقين ، والباقون كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ [ الأعراف : 179 ] . الثالثة : لم اختص كون القرآن هدى للمتقين ، وأيضا المتقي مهتد فكيف يهتدي ثانيا ؟ والجواب أن المتقين لما كانوا هم المنتفعين بالهداية خصوا بالذكر مدحا لهم كقوله تعالى إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها [ النازعات : 45 ] إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ [ يس : 11 ] مع أنه صلى اللّه عليه وسلم منذر كل الناس . وأيضا قوله « هدى للمتقين » كقولك للعزيز المكرم « أعزك اللّه وأكرمك » تريد طلب الزيادة واستدامة ما هو ثابت فيه . وبوجه آخر سماهم عند مشارفتهم لاكتساء لباس التقوى متقين نحو « من قتل قتيلا فله سلبه » « 1 » فهذا مجاز من باب تسمية الشيء بما هو آيل إليه واللطف فيه أنه لو قال هدى للصائرين إلى التقوى بعد الضلال كان إطنابا في غير موضعه ، فإن تصدير السورة التي هي أولى الزهراوين وسنام القرآن وأول المثاني بذكر أولياء اللّه والمرتضين من عباده هو اللائق بالمقام ، فاختص الكلام بإجرائه على الطريقة التي ذكرنا . فإن قلت : كيف وصفت القرآن بأنه كله هدى وفيه مجمل ومتشابه لا يهتدي فيه إلى المقصود إلا بحكم العقل ، فيكون الهدى في ذلك للعقل لا للقرآن ؟ ومما يؤكد ما قلنا ، ما نقل عن علي عليه السلام أنه قال لابن عباس حين بعثه رسولا إلى الخوارج : لا تحتج عليهم بالقرآن فإنه خصم ذو وجهين . ولهذا كان فرق الإسلام المحق منهم والمبطل يحتجون به ، قلنا : المتشابه لما لم ينفك عما يبين المراد معه على التعيين عقلا كان أو سمعا صار كله هدى . فإن قيل : كل ما يتوقف صحة كون القرآن هدى على صحته كمعرفة اللّه تعالى وصفاته وكمعرفة النبوة ، فالقرآن ليس هدى فيه فكيف جعل هدى على الإطلاق ؟ قلنا : المراد كونه هدى في تعريف الشرائع والمطلق لا يقتضي العموم ، أو كونه هدى في تأكيد ما في العقول أيضا فيعم . الرابعة : محل « هدى للمتقين » الرفع لأنه خبر مبتدأ محذوف ، أو خبر مع « لا ريب فيه » لذلك أو مبتدأ إذا جعل الظرف المقدم خبرا عنه ، ويجوز أن ينتصب على الحال والعامل فيه معنى الإشارة أو الظرف والذي هو أرسخ عرقا في البلاغة أنه يقال : « ألم » جملة
--> ( 1 ) رواه البخاري في كتاب الخمس باب 18 . مسلم في كتاب الجهاد حديث 42 . أبو داود في كتاب الجهاد باب 136 . الترمذي في كتاب السير باب 13 .